يتفق الكثيرون على أهمية المسرح في سيرورة المجتمع وفي حياة المواطن بصفة عامة ولكن هل الفن الرابع مرآة تعكس مشاغل المجتمع أم أنه الصورة التي يجب أن يكون عليها هذا المجتمع؟ وهل يمكن أي يقود المسرح ثورة ؟وماذا عن علاقته بالمواطنة ؟ أسئلة طرحناها على كل من الكاتب المسرحي ومدير المجلة الرقمية" مسرحيون" العراقي قاسم مطرود، الأستاذ المسرحي والمستشار بالمسرح الوطن الجزائري إبراهيم نوال ، الناقد المسرحي نادر القنة من الكويت والكاتب المسرحي محمد بهجاجي من المغرب فكان هذا الموضوع:
*********************** لطيفة.داريب**********************
قاسم مطرود:لا يجب أن نحمل المسرح أكثر مما يطيق
المسرح ليس انعكاسا للواقع ولا مرآة ، المسرح هو الصورة التي يجب أن يكون عليها المجتمع، أي الصورة المثلى فأنا لا آتي بالمرآة وآخذ حكاية من الواقع وأضعها على خشبة المسرح ، هذه ليست وظيفة للمسرح فالمسرح يأخذ جزء مستقطعا من الواقع ويضعه على خشبة المسرح ويقول هذا ما يجب أن يكون ، وهو ليس مرشدا ولا قسا ولا رجل دين ، ما الفائدة أن آخذ حكاية خصام بين رجل وامرأة وأن أضعها في خشبة المسرح وفي النتيجة النهائية أعالج المشكلة في أن يعتذر الرجل من المرأة ، هذه ليست مشكلتنا فهي مشكلة اجتماعية يحلها الأقارب ، المسرح شيء أكبر من هذا فهو سلطة حضارية ثقافية مستقبلية ، مشكلة المرأة الفلانية التي أعالجها اليوم يجب أن تنطبق على النساء بعد مائتين سنة ، يجب أن ترى هذه المرأة نموذجا مثل أوفيليا بطلة مسرحية هاملت التي أصبحت الرمز، أو مثل هاملت الذي أصبح النموذج لمئات الرجال وبيكت وغيرهم فالمسرح ليس الذي يقدم المجتمع كالمرآة بل يقدم المجتمع كما يجب أن يكون ، وأتساءل كيف يمكننا أن نعبّر ونقول أن نقدم المجتمع كما يجب أن يكون إن لم نكن ذا معرفة ودراية تامة بما يحيط بنا في العصر الحديث وما أحيط في عصور سابقة من تحولات فكرية وسياسية واقتصادية؟ ، أقول أن المسرحي يجب أن يكون مجموعة من طبيب ،عالم ،دكتور ،حداد، بائع ،متسكع، قس و رجل دين كل هذه العناصر أو الشخوص يجب أن تتوفر فيه ، أنا قلت في نصوصي " بي رغبة للصلاة والسكر حتى الثمالة " وأعني بذلك أن الشخصية المسرحية هي ثنائية على الأقل ، وإلا فهي غير قادرة على نسج وبناء الشخصيات فنكتب مثلا حوارا على لسان شخصيتين مختلفين رجل وامرأة يجب أن نعرف إحساس المرأة والرجل حتى نكتب عنهما ، بأي طريقة يتحدث الرجل وبأي مفردات يستعملها في حديثه وبالنسبة المرأة نفس الشيء ؟فهنا يجب أن نكون المرأة والرجل.
للحياة مهام ولكل دوره في الحياة فالمرأة مرأة والرجل رجل ولا نحمّل كلا منهما ما لا يقدر فعله أي لكل مهامه ولكل دوره في هذه الحياة فلا تحمليني ما لا أستطيع ،والمسرح لا نحمّله أكثر من طاقاته ونقول له عليك أن تصنع عروضا مسرحية توقف بها المحتل وتزيح العولمة ومرض الايدز،فهو لا يستطيع ذلك ولكن بإمكان المسرح أن ينزل إلى شعوب إفريقيا أو التي فيها الكثير من الايدز ويوعي وينبه ويصحح ،هو ليس لديه المصل لحقن مرضى الايدز وليس لديه العصا السحرية لوقف الحروب ولا يستطيع أن يقف أمام دموية الحكم الواحد في أمريكا ويقول لهم يكفيكم قتل الشعوب ولكن فقط يصرخ ويستجمع المئات والعشرات وألوف الأصوات التي يجب أن تصغي ، والمسرح نجح في شيء مهم جدا ولا أعني المسرح وحده فقط بل الثقافة ولكن المسرح الأكثر ، حيث استطاع أن يغير من نظرة الكثيرين الحاقدين عن المسلمين وهناك ثورة مليونية خرجت في بريطانيا ضد الاحتلال لم يدفع لهم أحد درهما واحدا إلا أن الثقافة استطاعت أن تدخل ضمائر الناس وتقول لهم إن سرتم على هذه الوتيرة ستسيرون كما قادكم هتلر الذي أكل من شعوب العالم 52 مليون نفس بمعنى أو بآخر المسرح الفن والثقافة لا تمسك بالبندقية وليس في يديها زر قنبلة هيروشيما النووية في يدها زر الوعي والإبصار وتصحيح الصورة القبيحة وتجميل ما هو قبيح .
وأضيف أن المسرح لا يغيّر القرار فلا يستطيع أي عرض مسرحي في العالم أن يوقف قرار مجلس الأمن مثلا في الحصار على العراق .وأن يواجه الدبابات ولكنه يستطيع أن يقنع الطيار ويصلح ضميره يوم يفكر في رمي قنبلة وهو في السماء على جموع كبيرة من الملايين ربما ذات يوم يأتي ويستيقظ ضمير هذا الطيار ويقول كلا، كما حدث في إحدى الدول حينما أوعز رئيس الجمهورية إلى وزير الدفاع بالهجوم على المتظاهرين فقال وزير الدفاع إلى الدبابات المتقدمة إلى المتظاهرين عودوا إلى الخلف وحوكم وزير الدفاع وقال لا يمكنني قتل شعبي أعتقد أن وزير الدفاع قد خضع لاستئصال للحالة الدموية التي يعيشها عبر الثقافة ، هو لو كان قائد كالقادة لقتل جموع الشعب وانتهى الأمر ،هذا وغيره نراهن عليهم في تصحيح ضمائرهم ، هي عملية تحول تشبه رجل يصحح ضميره في نهاية الأمر بالذهاب إلى المسجد أو الكنيسة يتضرع إلى الله ويندم على أفعاله ، المسرح وظيفته تشبه المسجد والكنيسة تنقي النفوس وتستدعيك إلى الابتعاد عن القتل والدم .
نوال إبراهيم:المسرح يحاكي الواقع بطريقة فنية
المسرح مرآة عاكسة لما يمكن أن يحدث لنا من أحداث مأساوية أو سعيدة ، فالمسرح سحر أو يبدو كسحر له توابله الفنية فعندما نتذوق طبق لذيذ ندرك شهيته ولكننا لا نعرف ما هي التوابل التي صنع به هذا الطبق ، هذا هو المسرح بتوابله التي لا ترى والتي ندركها جيدا.
بالمقابل وظيفة المسرح اجتماعية مثل كل الفنون لان الوظيفة الثقافية قبل كل شيء اجتماعية ومنذ عصر اليونان وإلى غاية اليوم المسرح كانت له وما تزال أهداف اجتماعية وتأسيس الحوار الحضاري بين كل فئات المجتمع سواء في المواضيع الدرامية أو الفكاهية ، وفي المسرح كما قال عن أرسطط ،الواقع الفني أسمى من الواقع المعيش والفنان المبدع سواء كان كاتبا مسرحيا أو مخرجا مسرحيا هو قبل كل شيء يحادث البيئة التي يعيش فيها ولكن ضمن واقع فني وأقصد بذلك أن يأخذنا الكاتب المسرحي مثلا عبر شاعريته أي أسلوبه الفني إلى تحويل الفكرة السياسية أو الخطاب السياسي إلى خطاب مسرحي فني بكل قواعده الفنية .
من جهة أخرى لم يحدث أبدا أن قاد المسرح ثورة لا في عهد اليونان ولا في الثورة الفرنسية 1789 ولا في الثورة البلشفية 1917 ولا حتى في ثورتنا المجيدة ، ولكن المسرح يساهم في تطوير البعد السياسي وفي تأسيس تساؤلات اجتماعية وسياسية لكي ينضج الجمهور وهو يلعب دور الوسيط الذي يخاطب الأفكار والأذهان والروح أيضا وبالتالي فإن مخاطبة الأفكار والمشاعر تؤدي أولا إلى فتح المجال أمام التساؤلات من جهة وإلى إحداث نضج ووعي نضالي مثل ما أراده الأمير خالد عندما نادى المثقفين لإنشاء مسرح جزائري في عهد الاستعمار ومثلما أيضا أرادت جبهة التحرير الوطني في إنشاء فرقتها الفنية سنة 1957 بعد أن أعلنت في مؤتمرها للصومام عن أهمية الثقافة في القضية الجزائرية وهذا سنة 1956 .
أما عن علاقة المسرح بالمواطنة فإن المسرح منذ عهد اليونان كانت له علاقة بالمواطنة فقد أنشء أ بالفنون في أول الأمر في المدينة لأجل المواطن ولأجل تحريره من العنف ودفعه نحو الحوار لحل مشاكله وهذا عن طريق طرحه لتساؤلات وبالتالي فالمسرح لا يمتلك الأداة النضالية بل ميكانيزما ومفتاحا للحوار المدني الذي يفتح مجالات كثيرة قبل وبعد مشاهدة المسرحية وكما يقول شكسبير فضاءات المسرح هي للحوار والحب.
وأريد أن أتوقف عند نقطة وهي أن معظم المسرحيات التي لها شعبية لم تكن كتابتها وإخراجها بالأمر السهل وإن كانت تبدو بسيطة فهي بالتالي مسرحيات عالمية مثل مسرحيات شكسبير التي طرحت في القرن 16 تساؤلات معينة ما تزال لحد الآن وستزال تطرح لأنها وبكل بساطة تهتم بالمواضيع الإنسانية
نادر القنة:أب الفنون سيقمع إذا تحول إلى أداة ثورية
فيما يخص قضية العلاقة الكائنة بين المسرح والمجتمع من المؤكد أن المجتمع هو الذي ينتج جل الفنون والآداب والإبداع بوصفه النسيج الحقيقي الذي يمكن أن يقدم لنا الموضوعات والأفكار وبالتالي الفن والأدب مشغول دائما بإعادة صياغة ما هو كائن في المجتمع وإعادة تصديره مرة أخرى إلى الواقع الاجتماعي لكن يبقى التساؤل في هذه المسألة أيهما يؤدي خدمة أكثر إلى المجتمع ، أن نقدم الواقع تصويرا فوتوغرافيا كما هو وبالتالي يتوقف دور الفنان إلى دور الناقل الأمين لما هو كائن اجتماعيا أم يتجاوز ويتعدى ذلك إلى مسألة الخلق والابتكار ؟ يقول برخت أن المسرح يعيد اكتشاف الواقع من جديد حينما نتعامل مع هذا الواقع ، أنا أقول أنه على الفنان و المبدع أن يتجاوز الصيغ القائمة في الواقع وأن يقدم القضايا كما يجب أن تكون حتى نصل إلى الصورة الصحيحة من غير انحرافات ومن غير أيضا تقوقع أو مؤطر لما هو كائن اجتماعيا .
ربما ذلك سيصحبنا إلى منطقة مهمة جدا وهي منطقة الإبداع والخلق والابتكار، إذا قدمنا القضايا والموضوعات كما يجب أن تكون هنا سنبحث عن أشكال وتحليلات وسنفكك الرموز وما هو موجود ونعيد تركيب ذلك وفق صياغة إبداعية وساء كانت شعرا ،مسرحا،أدبا وفنونا ،كل الأشكال التعبيرية ستأخذ في هذا المنحى ، بالتالي هنا الفروقات القائمة بين فنان مبدع وفنان آخر تكون في قدرته على إعادة خلق ما هو كائن وفق تخيلاته وثقافته وإمكاناته وحسبما أيضا ما يتراءى له وهذه أيضا تدخلنا إلى منطقة ربما أعلى نسبيا وهي منطقة الأدلجة ، في كل الأحوال لا يمكن أن يتساوى مبدع مؤدلج تنظيميا أو حزبيا ومؤطر بإطار معين مع مبدع بدون أدلجة ، يناظره نفس الثقافة والمعرفة ولكن ينتمي إلى حزب آخر كلاهما قراءتهما للموضوع ستكون استجابة للمعطيات الحزبية والأدلجة .
وأتساءل هل المسرح يدعو إلى التمرد أم إلى الثورة ؟ أعتقد أن هذا المسألة هي من أهم المسائل التي لها علاقة بالصراع القائم ، وأتساءل أيضا هل وظيفة المسرح وظيفة تمردية أم ثورية ؟ الحقيقة أنا اشك في أن المسرح يمكن أن يتحوّل في لحظة معينة إلى أداة ثورية ولكن يمكن للمسرح أن يعمل إضاءات أو إنارات و أن يصحح الإعوججات بمعنى يدخل في أطر التمرد أكثر مما يدخل في أطر الثروة ،أنا أتحدث عن المسرح العربي على أقل تقدير من المبكر جدا أن يكون مسرحنا العربي يمتلك هذه الوظيفة العالية وهي فكرة الثورة وحتى فكرة التمرد لأن التمرد على أقل نسبية هو تصحيح الوضع القائم ولفت نظر المتلقي إلى مواقع الخلل لإعادة توجيه المتلقي ولتصحيح ما هو كائن أما المسرح حينما يتحول إلى أداة ثورية أعتقد سيقمع من اللحظة الأولى.
وعن علاقة المسرح بالمواطنة، أرى أن المواطن الذي يدرك تماما الوظيفة الحضارية للمسرح يستطيع أن يتعانق مع هذا البرلمان اليومي ، المسرح بوصفه مؤسسة ثقافية مركبة تركيبا ثقافيا يبدو معقدا أحيانا ولكنه جميل يحاول دائما أن يكون لسانه طويل أن يعري، أن يكشف، أن يفضح ،أن يبين، أن يوضح ،أن يحلل ،كل هذه القضايا تكون مستلزمات وأدوات يومية عبر ما يصنعه فوق خشبة المسرح ويواجه فيه المتلقي يوم بيوم وساعة بساعة حينما تكون هناك سلسلة من العروض المسرحية بالتالي إذا نجح المسرح في أن يتحول من مؤسسة ثقافية أو أن يزاوج بين كونه مؤسسة ثقافية ومؤسسة مدنية بربطه للمتلقي هنا ستكون لدينا وعيا مدنيا حضاريا لإدخال المسرح في المنظومة التربوية أما إذا عجز المسرح على أن يدخل في أطر المدنية وأن يتلاحم مع المتلقي أعتقد أنه سيفشل في دخوله إلى المنظومة التربوية.
بهجاحي محمد :المسرح يعكس انشغالات المجتمع لكن بأداة دينامكية
أعتقد أن المسرح مرآة المجتمع، بمعنى أنه يعكس انشغالات هذا المجتمع و انكساراته و تطلعاته، مثلما يرصد ما يفكر فيه الأفراد و ما يسكتون عنه أو يرغبون فيه، أو ما يجعل هذه الرغبات محجوزة أو معاقة ولكن الأمر لا يتعلق بمرآة ميكانيكية، ولكن بأداة دينامكية ترصد الكائن ومحيطه في أقصى درجات صفائه الوجودي والذهني. الأمر الذي يجعل الأدب يقيم في مكان سامٍ. وهذا المكان هو الذي يمنح النصوص الحقيقية ديمومة في الزمن والذاكرة، ولا علاقة لذلك بالنصوص التي تنسى أو ترمى على الرصيف بمجرد الانتهاء من قراءتها، وأتساءل هل المسرح محلي يعكس مشاغل البلد، أم أنه عالمي إنساني، فأرى أن داخل حقل الإبداع، يصعب وضع حدود جمركية بين المدى المحلي والمدى العالمي لأن الكاتب في جنس المسرح، كما في الأجناس الإبداعية الأخرى، لا يرسم في البداية خطاطة مادية مضبوطة لما ينبغي عليه كتابته. بل هو يستجيب لنداءات خاصة، تأتيه من عمق تفاعله الطبيعي مع محيطه الذاتي والموضوعي. وكلما كان هذا الكاتب وفيا لهذه النداءات كان في لحظة التقاطع الرفيعة بين ما هو محلي وما هو عالمي. مجمل القول إن الكاتب كلما كان متمثلا للمحلي في جوهره، كلما كان متمثلا لما هو عالمي، لأنه لا توجد مدارات مطلقة للمحلي وحده، أو للعالمي وحده
منقول عن مجلة مسرحيون
كتبها ماهر دريدي Maher Draidi في 10:12 صباحاً ::
الاسم: ماهر دريدي Maher Draidi
